طلع البدر واستنار الكون كتب: أ/ أحمد جلال عبدالرحمن
تهلُّ علينا أنوارُ ذكرى مولد سيدنا محمد ﷺ، فتتجدد في القلوب معاني المحبة، وتعود إلى الذاكرة سيرةُ أعظم من حمل رسالة الرحمة والهداية إلى البشرية كلها، ميلادٌ لم يكن حدثًا عابرًا في صفحات التاريخ، بل كان ميلادًا لنورٍ أضاء القلوب، وأخرج الناس من ظلمات الجهل والفرقة إلى نور الإيمان والعدل والرحمة وحسن الخلق.
لقد أشرقت بمولده شمس الهداية، وجاء ﷺ رحمةً للعالمين، يحمل رسالةً جعلت من الإنسان قيمةً مصونة، ومن العدل أساسًا للحياة، ومن الرحمة طريقًا للتعامل، ومن مكارم الأخلاق عنوانًا للإنسان الصالح.
وفي ذكرى مولده الشريف، لا ينبغي أن تكون فرحتنا به مجرد مظاهر واحتفالات فقط، بل ينبغي أن تكون مناسبةً نستعيد فيها منهجه وسيرته وأخلاقه، وأن نسأل أنفسنا؟ ماذا بقي في حياتنا من رحمته؟ وماذا بقي من عدله؟ وماذا أخذنا من اخلاقه وتواضعه وحلمه وعفوه وإنسانية؟
لقد جاء النبي ﷺ إلى مجتمعٍ مزقته العصبية، وأثقلته الخصومات، وانتشرت فيه مظاهر العنصرية والتعالي، وتفاخر بعض الناس على بعض بالنسب واللون والقوة والمال؛ فهدم أصنام الجاهلية، وأقام مكانها ميزانًا عظيمًا من الأخلاق والأخوّة والإنسانية، فلا فضل لإنسان على آخر بجنس أو لون أو نسب، وإنما يكون التفاضل بالتقوى والعمل الصالح وحسن الخلق.
وجعل التواضع منهجًا لا ضعفًا، والرحمة قوةً لا هوانًا، والعفو خلقًا لا عجزًا، والإحسان سبيلًا لا تفضّلًا، وكان ﷺ قريبًا من الضعفاء، رحيمًا بالفقراء، عظيمًا في خلقه، متواضعًا في حياته، حتى أصبحت سيرته مدرسةً للأخلاق قبل أن تكون صفحات تُروى.
ومن أعظم ما جاء به ﷺ أن يحرر الإنسان من عبودية البشر إلى عبادة رب البشر، وأن يرفع قدر الإنسان بإنسانيته وأخلاقه، لا بماله ولا بمنصبه ولا بلونه ولا بنسبه، فكان العدل عنده لا يعرف قريبًا ولا بعيدًا، وكانت الرحمة لا تفرّق بين قوي وضعيف.
إن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى أن تستعيد نور هذه الرسالة؛ في زمنٍ كثرت فيه مظاهر الفرقة، وعادت العصبيات بأشكال جديدة، وأصبح الإنسان أحيانًا يُقاس بما يملك، لا بما يحمل من أخلاق وإنسانية وكرامة، وبما يظهر للناس، لا بما يسكن قلبه من طهر ونقاء وخير.
ولذلك، فإن أعظم احتفال بمولد المصطفى ﷺ هو أن نُحيي أخلاقه في بيوتنا، وفي أعمالنا، وفي تعاملنا مع الناس؛ أن نصدق إذا تحدثنا، ونخلص فيما بين أيدينا من علم وتعليم وعمل، ونفي إذا وعدنا، ونرحم إذا قدرنا، ونعفو إذا استطعنا، ونعدل حتى مع من نختلف معهم.
فمولد النبي ﷺ ليس ذكرى نحتفظ بها في التقويم، وإنما رسالة تتجدد على الدوام: أن يكون الإنسان رحيمًا، خلوقًا، عادلًا، متواضعًا، صادقًا، منصفًا؛ وأن يكون الحق فوق الهوى، وأن تكون الأخلاق دليل المحبة بين الناس بعضهم بعضًا.
وما أحوجنا جميعًا إلى وقفةٍ طويلة مع النفس؛ نحاسب فيها أنفسنا، ونرتقي بها من ظلمات الوهن والوهم، ونوجّهها نحو أخلاق النبوة في كل أعمالنا وأقوالنا، في سيرنا بين دروب الحياة، وفي معاملاتنا مع الناس، وفي كل ما وُكِّل إلينا من مسؤوليات عملية أو علمية أو اجتماعية أو مهنية.
إننا بحاجة إلى أن نتوقف قليلًا عن الحديث عن الأخلاق، وأن نبدأ في ممارسة الأخلاق؛ فليس المقصود أن نرفع شعارات المحبة، وإنما أن تتحول هذه المحبة إلى سلوك، وأن تتحول السيرة إلى منهج، وأن تتحول الصلاة على النبي ﷺ إلى أثرٍ ظاهر في أخلاقنا ومعاملاتنا بين كل الأفراد والمجتمعات.
فإذا وقفنا بصدق أمام هذه المعاني، وحاولنا تطبيقها حقيقةً لا تمثيلًا ولا تجسيدًا شكليًا، فقد نعبر بأنفسنا وأهلينا وأوطاننا من كثير من الأزمات الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية، بل وحتى الاقتصادية؛ لأن صلاح الإنسان هو بداية صلاح المجتمع، وصلاح المجتمع هو الطريق إلى صلاح الوطن.
وكل الخير يبدأ حين نجعل من أنفسنا منهجًا نبويًا حقيقيًا، نلتمس فيه أخلاق حبيبنا وسيدنا وقدوتنا محمد ﷺ؛ فنحبه صدقًا، ونقتدي به سلوكًا، ونتخلق بأخلاقه فعلاً وعملاً، ونحمل رسالته في الرحمة والعدل والصدق والإحسان.
فيا ليت ذكرى مولده ﷺ لا تمر علينا كغيرها بل توقظ فينا ما خمد، وتصلح فينا ما فسد، وتعيد إلى أخلاقنا شيئًا من نور النبوة.
سائلاً الله العلي القدير وبالصلاة على نبيه الكريم صل الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين، أن يرزقنا حسن الخلق ويجعلنا من أهل محبته، وممن يحسنون الاقتداء به، والتخلّق بأخلاقه، والسير على هديه إلى يوم نلقاه صلوات ربي وسلامه عليهﷺ
Share this content:




إرسال التعليق
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.